أيقظني
الدكتور خضر، ليقول مازحًا: اليوم سنقرأ الفاتحة على قبر توفيق كنعان! منذ أشهر
وهو يتحدَّث عن كنعان، مستغربًا عدم الاهتمام به، وحتى معرفته في بلدته بيت جالا.
وتخطيط لزيارة قبره.
توفيق
كنعان، مفكر، وطبيب، وسياسي. من أهم العقول الفلسطينية في القرن العشرين. اشتهر
بمكافحته للجذام. انتقل للسكن داخل بلدة القدس القديمة، بعد أن قسّمت النكبة
القدس. دأب على صعود سور القدس، محاولاً استكشاف ما حدث لمنزله ومكتبته في حي
المصرارة! ما ينشره البعض عن سكن نتنياهو في منزله، محض كذب. وكسل بحثي!
أتذكر
دائمًا جهود كنعان الرائدة، خصوصًا دارسته
للأولياء والقديسين والمزارات، تولى إدارة مستشفى الاوغستا فكتوريا (المطلع)، على
جبل الزيتون. دفن في المقبرة اللوثرية في بيت لحم، بمحاذاة شارع القدس-الخليل.
تعرَّف
خضر على قبر كنعان، وجلنا في المقبرة، ودردشنا حول أهمية المقابر في التاريخ
السياسي والاجتماعي والديني. بمعية البناء التجاري على أرض المقبرة، بينت كنيسة
لوثرية صغيرة. في بلدة بيت لحم القديمة، التقينا القاص والموسيقى وليم فوسكرجيان.
فرحت به، آخر لقاء معه كان في عكا وحيفا. أبدى رغبته بإحياء لقاء أدبي مشترك في
بيت ساحور، مازحته: السواحرة إقليميِّين ومع أرمني ستبرز أيضًا المشكلة القومية!
زرنا
كنيسة الأقباط في حارة العناترة وموئل جبرا إبراهيم جبرا الأوَّل.
هذا المجلد رغيف
ساخن، خرج من تنور المطبعة إلى مساء الجبل الفلسطيني الرطب. يواصل فيه الدكتور خضر
سلامة، مشروعه التوثيقي والتاريخي. شاركته فرحة الصدور.
هذا كتابه الثاني عن
فترة عمله في المتحف الإسلامي في المسجد الأقصى. الأول نشرته اليونسكو، بحلةٍ
قشيبة (ماذا تعني قشيبة؟) باللغتين العربية والإنجليزية، وكان عن المخطوطات
القرآنية قي المتحف الإسلامي.
يختلف هذا المجلد، عن
الكتب القليلة التي صدرت عن النقوش، والتي اجترت ما نشره فان برشم، قبل أكثر من
قرن، في طبيعة صاحبه، وأذكر اكتشافاته، لنقوش جديدة في المسجد الأقصى.
يوثق سلامة، النقوش
الأموية في قبة الصخرة، الَّتي ما زالت تثير النقاش بين الباحثين، عن تلك الفترة،
وعن تأسيس الديانة الإسلامية. يمكن للنقوش القديمة أن تظل قادرة على إثارة دهشتنا
وفضولنا، وأشياء أخرى كثيرة.
شكرًا مستحقة لخضر
سلامة (الذي يتحسَّس من لقب دكتور، ولا يفضله)!
تأسست مدرسة زكريا في عام
1921م (حسب المرحوم محمود الخطيب).
تتوفر صورة شهيرة لمدرسة
زكريا الأميرية وطلابها الصغار مع أغطية الرؤوس، ومعلمهم المطربش. التقطها خليل
رعد، واحد من أهم المصوريين الفلسطينيين قبل النكبة.
المبنى الحالي (الصورة) مبى
آخر على الأرجح، احتضن صفوفًا مشتركة للبنات والبنات، قبل عملية فصل البنات عن الأولاد،
إثر احتجاجات من بعض أولياء الأمور (حسب الطالبة رسمية محمد عيد).
وجد في القرية لجنة معارف
تلقت التبرعات من الأهالي، وسعت لدى البيروقراطية التعليمية لزيادة عدد الصفوف
(حسب خضر سلامة).
كانت مدرسة زكريا الأميرية،
رمزًا على إعلاء أهل القرية للتعليم، وهو ما كانت تقره لهم، بأريحية غريبة وبدون
أحقاد جدية، القرى المجاورة، وستستمر طرائف العلم والتعليم بين أهالي زكريا
وجيرانهم السابقين، في الهضاب المنخفضة، واللاحقين في مخيمات اللجوء، تتداول حتى
يوم النّاس هذا. رغم انتشار المدارس في تلك القرى.
المدرسة الرمز، ستظل رمزًا،
ولكن هذه المرَّة، للهزيمة التي لحقت بفلاحيها العرب، أمام غزوة إفرنجية حديثة
وقوية.
لم يهدم الغزاة الجدد
المدرسة، وتحوّلت بالنسبة لهم، رمزًا لانتصارهم. ستظل الذكريات تؤرق المحتل، فيبقي
نتفًا من دبيب المحتل (الذي وقع عليه الاحتلال) على الأرض، كتعويذة ضد التاريخ.
هذه الأرض كُتب عليها أن
تتداولها الدول، وخلال ثمانية آلاف عام سيتغير اسمها، من عزيقة التي قاومت بعزمٍ
سنحاريب ملك الإمبريالية الأشورية، إلى بيت زكريا الرومانية-الهيلينية والبيزنطية،
فزكريا البطيخ المملوكية، فزكريا حاف بدون بطيخ أو غيره، وأخيرًا لن يحتاج الغزاة
الجدد إلى كثيرٍ من الفطنة، فبكسلٍ فكري فاضح، يسمونها زخاريا، دون تبني للأساطير
المسيحية والإسلامية عن الموقع!
ولد عبد الله مخلص
(1878-1947م) في عينتات، عندما كانت سوريِّة. نشأ في فلسطين. أعتبره رائد الكتابة
عن المكان الفلسطيني.
تولى مسؤوليات في
الأوقاف الإسلامية، وهو نموذج نادر، لموظف، يكون بالصدفة ألمعيًا شغوفًا، فيستفيد
من منصبه لإثراء المشهد الثقافي، كعارف العارف مثلًا.
جمع الدكتور كامل
العسلي، مختارات من كتابات مخلص في كتاب، ولكن كثير من مقالاته لم تجمع. هناك حديث
عن مخطوطات لكتبه ضاعت بفعل النكبة، وكذلك فإن مصير مكتبته غير معروف حتى الآن
(التفاصيل طويلة ومؤلمة).
اكتشف الدكتور خضر
سلامة، قبر مخلص، في مقبرة المجاهدين (بقيع الساهرة)، ولفت انتباهي.
بقيع الساهرة،
ميثولوجيا إسلامية، لا تهم معظم المسلمين الآن، طورت عن ميثولوجيا يهودية، تطبق
على أرض القدس، بقوة الاحتلال، والمال، فأصحاب رؤوس الأموال اليهود من يمكنهم شراء
قبر في الموقع الذي سيشهد "المحشر والمنشر".
هندسة القبر، والنقوش
عليه، والمنحوتات، تشي بتقدير لدوره الثقافي. يبدو القبر للسائرين في شارع السلطان
سليمان، إذا انتبهوا، كأنَّه علق في سماء بعيدة.
يجد الدكتور خضر سلامة، أمين المكتبة الخالدية في القدس القديمة، صعوبة في فتح باب سطح المكتبة، للصعود إليه، من قلة الاستخدام، ولكنها صعوبة تتضاءل، أمام ما يظهر على السطح.
تبدو المكتبة، من السطح المطل على شارع باب السلسلة، والمسجد الأقصى، وحائط البراق، محاصرة من مدرسة دينية استيطانية، ومنزل آخر استولى عليه المستوطنون، ونجا مبنى المكتبة، بعد الاحتلال، بسبب نضال دؤوب.
تعتبر المكتبة الخالدية، أول مكتبة عربية عامة في القدس، أسست عام 1900، وهي من أوقاف عائلة الخالدي الذرية.
أسسها الحاج راغب الخالدي، وكما يروي سلامة: "حقق الحاج راغب رغبة والدته، التي أوقفت حصتها في حمام العين، لتأسيس المكتبة، وفعل الحاج ذلك بعد وفاتها، بناء على وصيتها".
الوالدة هي خديجة بنت الشيخ موسى الخالدي قاضي الأناضول المتوفى سنة 1835، توفيت عام 1898م، وبعد عامين حقق ابنها حلمها.
تقع المكتبة، في شارع باب السلسلة، في قلب القدس القديمة، في مبنى يعرف باسم تربة بركة خان، يضم قبور أمراء خوارزميين، بني عام 1215م، ويعتبر أقدم ثاني بناء مملوكي في القدس.
يقول سلامة: "بركة خان هو حفيد جنكيز خان، ولكنه أسلم، ينتمي لما يعرف باسم القبيلة الذهبية، حارب مع الظاهر بيبرس، الصليبيين".
بالإضافة إلى مبنى التربة، تستخدم المكتبة مبنى آخر مقابلا له، يحوي الكتب المطبوعة، ويضم ما يصل إلى نحو تسعة آلاف كتاب مطبوع، تعود في معظمها إلى ما قبل عام 1900م.
يقول سلامة: "تحتاج هذه الكتب إلى ترميم وتجليد، وفهرسة وهذا يحتاج إلى أموال طائلة".
الطابق الأول من مبنى التربة، يضم غاليري صغير، للتعريف بالمكتبة، وتاريخ عائلة الخالدي. ردا على سؤال إذا كان ذلك انحيازا للعائلة، قال سلامة: "تاريخ القدس هو تاريخ عائلات، التي كانت تتحكم في المدينة، تحاول كل عائلة إظهار إنجازاتها، لقد درست معظم أوراق عائلة الخالدي، وأستطيع القول إنها عائلة إصلاحية".
بجوار هذه القاعة، مسجد التربة، الذي حول إلى معرض صغير يضم صورا لبعض المخطوطات، مثل قاموس اللغة الكردية-العربية، ومصحف فريد يعيده سلامة، إلى القرن السادس عشر، وفرمانات من العهد العثماني، من بينها مثلا، رسالة مهمة جدا، كما يصفها سلامة، من قاضي سيناء، يخبر فيها أهل القدس، أن القوات الفرنسية دخلت سيناء، وعليهم التجهز للمواجهة.
خصص الطابق الثاني للمخطوطات، التي وضعت في ملفات، لحفظها، وحسب سلامة، فإن المكتبة، تضم أكبر مجموعة من المخطوطات ونوادرها باللغات العربية والعثمانية والفارسية، جمعها في حقب إسلامية مختلفة علماء وقضاة ومدرسون، من أبناء عائلة الخالدي الذين عملوا في مؤسسات أقاليم الدول الإسلامية المتعاقبة.
تشرف على المكتبة لجنة متولين من عائلة الخالدي، بالتعاون مع جمعية أصدقاء المكتبة في أميركا، برئاسة الدكتور وليد الخالدي، الذي وضع كتابا عنها، اعتبر فيه: "مجموعة مخطوطات الخالدية أكبر المجموعات الفلسطينية، ومن أكبر المجموعات الإسلامية الخاصة في العالم، تحوي 1263 مخطوطا تضم 2000 عنوان".
يعيد الخالدي، نواة تأسيس المكتبة إلى عام 1726م على يد محمد صنع الله الكبير، حتى افتتحت في مبناها الحالي على يد الحاج راغب الخالدي.
مما تضمه المكتبة، مكتبات وأوراق عدد من أبناء عائلة الخالدي مثل: يوسف ضياء الخالدي (1842-1906م)، رئيس بلدية القدس ونائبها في البرلمان العثماني، ومؤلف أول وآخر قاموس كردي/عربي، ومحمد روحي بن ياسين (1864-1903م) نائب القدس في البرلمان العثماني، ونظيف الخالدي، مهندس بلدية بيروت، وغيرها من كتب وأوراق ومخطوطات.
أهم المخطوطات، في المكتبة ما تسمى "المخطوطات الأم" وهي مخطوطات كتبت بخط أيدي المؤلفين، من بينها عدد من التحف الفنية النادرة مثل هدية قدمت لأبناء صلاح الدين الأيوبي.
واجهت المكتبة مصيرا مجهولا، بعد الاحتلال عام 1967، عندما صادرت سلطات الاحتلال 40 عقارا لعائلة الخالدي، واحتل جنود الاحتلال الطبقة العلوية الشرقية المطلة على ساحة المكتبة، وسلموها لاحقا للمستوطنين، الذين أسسوا مدرسة دينية، ورمي مخلفات البناء في ساحة المكتبة.
يقول سلامة: "كان لاحتلال القدس الشرقية عام 1967 أثر سلبي على المكتبة ووجودها، فتدمير حارة المغاربة المجاورة لحي باب السلسلة وطرد سكانها واستهداف المؤسسات العربية في البلدة القديمة، ربط مصير المكتبة بما حولها، فأصبح مبنى المكتبة نفسها مهددا بالمصادرة من قبل جيش الاحتلال الذي احتل الطابق الثاني من أحد البيوت المملوكة لوقف العائلة والمطلة على ساحة المكتبة، وتأسست في هذا الطابق المصادر، وفي طابق جديد بني فوقه مدرسة تلمودية (يشيفيا.(
خاض أبناء عائلة الخالدي، طريقا طويلة من المقاضاة، لإفشال سيطرة الاحتلال على المكتبة، بدعم من باحثين أجانب، حتى سمح بترميم المكتبة ما بين عامي 1990-2001م.
تخدم المكتبة الآن، الباحثين، وتصدر كتبا، يقول سلامة: "نجحنا بتصوير المخطوطات رقميا، وتوفيرها للباحثين، من مختلف دول العربية والعالمية، نزودهم بما يطلبون إلكترونيا".
ما بين مبنى التربة، ومبنى المكتبة الآخر، حاجز لجيش الاحتلال، يدقق في هويات المتوجهين إلى المسجد الأقصى، وعلى سلامة، أن يقطع المسافة الصغيرة مرات عديدة في اليوم، وسط سلاح جنود الاحتلال المشهر.https://www.alhaya.ps/ar/Article/142912/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A8
مع العزيز خضر سلامة،
أمين المكتبة الخالدية، من باب السلسلة، واحد من قلوب القدس القديمة؛ عرب، ويهود،
وخوارزم، ومسجد أقصى، وحائط غربي (براق/مبكى)، معمار مملوكي، وأرواح جامحة. جولة
في أوَّل مكتبة عامة في المدينة. تأسست عام 1900م. مبنى المكتبة محاصر بالمستوطنين،
وثري بالأحلام والأفعال.
عاصر اسكندر الخوري البيتجالي
(1890-1973) عدة عهود توالت على فلسطين، كان فيها قاضيًا، ومحاميًا، وأديبًا. تردى
وضعه المادي، خصوصًا بعد الاحتلال الإسرائيليِّ، إلى درجة العوز، كما روى المحامي
الراحل جودة شهوان في كتابه (ذكريات وشطحات) الصادر عام 2014، وأدى ذلك إلى سفره إلى
البيرو، ولكنَّه: "لم يوفق في مسعاه للعيش بكرامة فامتهن عملًا أشبه بالتسول،
وهو أنَّه أخذ يقف في زوايا الشوارع في العاصمة ليما، حاملًا المسابح التي كان قد
اخذ كمية منها من بيت لحم، ليبيعها في تلك البلاد"
نموذج متكرر، لمصير
أديب عربيِّ. قال خضر سلامة (يسار الصورة) "جمعيًا، معشر الكتَّاب، سنشحذ في
النهاية".
بعد وفاة البيتجالي،
اتصل أحد أبناء الأديب الراحل بشهوان، وطلب منه تشكيل لجنة لتسلم مخطوطات والده
وكتبه والعمل على نشرها، وقررت اللجنة المشكلة الاحتفاظ بالموجودات لدى بلدية بيت
جالا، إلَّا أنه تبيَّن فيما بعد: "أن الجزء الأكبر من المخطوطات قد فقد
نتيجة لوضعها في مكان مهمل، في دار بلدية بيت جالا، تسرح وتمرح فيه الفئران، فأتلفت
ما تيسر لها من الأوراق".
تمنى شهوان، قبل رحيله،
طبع مؤلفات الفقيد: "وتوزيعها في جميع أنحاء فلسطين والمهجر". ها هي الأمنية
تتحقق، بعد جهد للجنة خاصة، عملت خلال عامين على جمع ما تمكنت من جمعه من تراث الراحل.
ما عكر حفل إطلاق
أعمال البيتجالي، طغيان ثقافة ضيوف الشرف والرسميِّين ورجال الدين، الذين فصل بينهم،
وبين باقي الجمهور شريط أحمر، يُمنع تجاوزه.
التقسيم الوظيفي للجمهور، لا يصنع ثقافة، وإنما
يكرِّس المنصبية، لدى شعب تحت احتلال، يساوي فيه بين المحتلين.
الرسميُّون، والشرفيُّون،
ورجال الدين، ليسوا من منتجي الثقافة ولا مستهلكيها، وإن أخذوا الكتب هدية، فيمكن
أن تدرس بعد فترة، تطول أو تقصر، مثل ما حدث مع درس ما "تيسر" من مخطوطات
البيتجالي في البلدية.
(التايتنك الثقافية)،
رمز لتقهقر الواقع الثقافيِّ في الأرخبيل الفلسطينيِّ، كما هو الوضع السياسيِّ.
تحمس الكاتب جان دوست، بالحفاوة التي حظي بها في المكتبة الخالدية بالقُدْس، وذكّر بما قاله محمود درويش لصديقه سليم بركات: "ليس للكردي إلَّا الريح". قال دوست، العابر للهويات، أو فسيفسائي الهويات-كما وصفته الدكتورة ريم غنايم: "لا يا محمود درويش، فللكردي الفلسطينيون". تحدّث دوست عن تحقيقه لمعجم اللغة الكردية، الذي وضعه ضياء الخالدي، وطبع في اسطنبول عام 1892، وعن أهمية ما فعله هذا العربي الفلسطيني، للغة الكردية، وعن علاقته باللغة العربية، التي وصفها بأمه بالرضاعة. ومثلما هو الحال في الأوطان العربية، فان وزير الثقافة في إقليم كردستان، لم يوافق على طباعة المعجم، بحجة ضعف الإمكانيات المالية، فاضطر دوست، إلى طبعه في اسطنبول، بطبعة محدودة. استذكر الحضور صلاح الدين الأيوبي، وبالنسبة لقوميٍّ قح، مثل عزيز العصا، فان العروبة ساعدت القوميات الأخرى، وانه خلال الألف والأربعمائة سنة الماضية، فان العرب لم يحكموا إلّا قليلاً، ثم تولى الآخرون قيادة الأمة. هل يحتاج العرب والكرد إلى صلاح الدين الجديد؟ لم تخلو علاقة العرب بالكرد من الاستحواذ، وعبّر عن ذلك الشاعر الراحل معين بسيسو، قائلاً بأنه عندما انتصر صلاح الدين، أصبح بطلاً عربيًا، ولو انهزم، لكان جاسوسًا كرديًا. لا يحتاج العرب والكرد إلى صلاح الدين الجديد، وإنما مثل باقي الأمم، إلى أوطانٍ حرّة، لمواطنيها، وليس لمحتكري الوطنية، والقومية، والأديان.
(مساهمتي في الملف
الذي أعده الكاتب يامن نوباني عن مخيم الدهيشة ثقافيا لصالح وكالة وفا، انشرها
لاطلاع من استفسر، ولاستدراج إضافات أو تصويبات، واستدراكات خصوصا من
الكتاب/الكاتبات الذين واللواتي يصنفون أنفسهم وأنفسهن كدهيشين ودهيشيات-هذه
المساهمة اهداء الى الشهيد رائد الصالحي)
عندما استقر الحال
نسبيًا، بمجموعة من اللاجئين من جبلي القدس والخليل، بعد محطات لجوء عديدة، في
مخيم الدهيشة عامي 1949-1950م، أوَّل ما فكروا فيه، وهم في الخيام، تشييد مدرسة،
في مبادرة جماعية أهلية رائدة وشجاعة، لم يتوقف عندها الباحثون، حيث تم تجميع الأطفال
في العراء ولاحقًا في غرفٍ صفية من الخيام، وأصبح مديرًا للمدرسة الشاعر خليل
زقطان ابن قرية زكريا المهجرة التي شكل أبناؤها المهجرين أكبر كتلة سكانية في
المخيم.
وانضم لهيئة التدريس
تطوعًا العديد من المدرسين، الذين انهوا الصفوف الابتدائية في قراهم قبل النكبة،
وعملوا تحت قيادة زقطان المحبوب، والذي سيصبح بعد حين شاعرًا معروفا عندما أصدر
ديوانه الأول (صوت الجياع) عام 1953 عن مطبعة دار الأيتام الإسلامية في القدس، وأثّر
في كثير من الذين سيصبحون شعراءًا معروفين في المستقبل مثل الشاعر عز الدين
المناصرة، الذي أشار في مقابلة معه في ثمانينات القرن العشرين بتأثير زقطان الشعري
على جيله.
ينتمي زقطان لجيل من
الشعراء ربطوا القول الشعري بالفعل الوطني، مما عرضه للاعتقال عدة مرات، مثلما حال
شعراء آخرين من قريته زكريا، تشردوا في مخيم الدهيشة والمخيمات المجاورة كمخيم
العروب، مثل الشاعر فتحي الكواملة الذي اصدر ديوانين من الشعر، الأول (يا رسول
السلام)، وهو مدح للرسول العربي، والثاني بعنوان (البركان)، الذي صادرته السلطات الأردنية
فور صدوره لدعوته للتمرد والثورة على الأنظمة العربية، وكذلك الشاعر عبد الفتاح
الكواملة، الذي اتهم الأنظمة العربية بالتآمر على القضية الفلسطينية، وانتهى منتحرًا،
عندما أطلق الرصاص على نفسه عام 1987 في مدينة إربد الأردنية.
ما ورد في الأسطر
السابقة، يشير إلى مناخات الثقافة في مخيم الدهيشة منذ تأسيسه، حيث أصبح
"عشا" لتفريخ نشطاء الأحزاب القومية واليسارية، وأبرزها الحزب الشيوعي،
وحزب البعث.
ومن بين نشطاء الحزب
الشيوعي في المخيم مختار قرية ذِكرين، الذي سيصبح ابنه رشاد أبو شاور كاتبًا معروفًا،
وسيتذكر لاحقًا طفولته في المخيم، وتأثير معلمي المدرسة عليه: "كرجت قدماي
علي الصخور المستلقية البيضاء التي تبدو كفقمات مبحرة لفرط حياتها، حاملةً على
متونها الحراذين، والجنادب، والفراش، وطيور الحجل، والحباحب، مكحلّة الأطراف بعشب
زغبي.
في الدهيشة تعلّمت
أول الكلام، ونشيد (موطني)، وكتبت أوّل الحروف، وبللت بفمي سنّ قلم الكوبياء ليكون
خطّي أعرض وأوضح، فمن هناك بدأت رحلتي مع الوضوح.
الأساتذة: نمر
(العطابي)، محمود الخطيب، أحمد العجّوري، سليمان مزهر وابن عمّه أحمد مزهر،
والأستاذ الياس الذي كان في الشتاء والصيف يركض من بيت لحم إلى الدهيشة، ومنه تعلّمنا
أن نركض بلا توقّف في هذه الحياة".
ومن مجايلي أبو شاور،
الذي انتقل لاحقًا مع عائلته إلى مخيم النويعمة في أريحا، عبد الرحمن عبّاد، الذي
أصدر في سبعينات القرن الماضي مجموعته القصصية الأولى: "جمع الشمل"،
وتوالت دراساته الأكاديمية، وإصداراته الأدبية وحصل على شهادة الدكتوراه، وكان
نشيطا في الحركة الثقافية الفلسطينية حتى رحيله عام 2015م.
وإذا كان الغليان
الثوري إن جاز التعبير الذي صبغ حقبتي الخمسينات والستينات في المخيم، كان المولد
الثقافي-السياسي في المخيم، فان الأمر اختلف مع الاحتلال عام 1967م، حيث كان على أبناء
المخيم أن يبدأوا مبكرًا انتفاضتهم، في ظل غياب العديد من الرموز الوطنية والحزبية
التي شتتها حرب حزيران، وينشأ جيل حمل الحجارة بيد والكتاب باليد الأخرى، وليلعب
مركز شباب الدهيشة الاجتماعي دورًا ثقافيًا بارزًا، بقيادة العديد من النشطاء،
وشملت نشاطات المركز إقامة الندوات الثقافية التي حاضر فيها ضيوف من خارج المخيم،
كالشاعر الراحل عبد اللطيف عقل، ومناقشة الكتب، والندوات الثقافية، والمهرجانات
الفنية-الثقافية، وإصدار مجلات الحائط التي وفرت الفرصة لنشر نتاج فتية وشباب
المخيم، وكاتب السطور واحدًا منهم، ولكن تجربة المركز الفريدة لم تستمر طويلاً،
حيث تعرض للإغلاق المتكرر من قبل سلطات الاحتلال، ولم تنجح المحاولات اللاحقة في
ظل السلطة الفلسطينية لافتتاحه، رغم الحشود الحزبية في الانتخابات والتي تتحول إلى
معارك كسر عظم، لا يتولد عنها إلا الهباء.
برز في حقبة الثمانينات
من الشعراء، الشاعر سميح فرج، الذي أصدر عدة دواوين شعرية، وما زال يواصل مسيرته
الشعرية، وفي الحقب اللاحقة ظهرت أصوات شعرية وأدبية مثل الشاعر وليد الشيخ،
والكاتب صالح أبو لبن الذي أصدر رواية-سيرة بعنوان (البيت الثالث) ومؤخرا أصدر كتابًا
بعنوان (أربعون يوما على الرصيف) رصد فيها تجربة اعتصام أهالي المخيم لمدة أربعين
يومًا تزامنًا مع إضراب عدد من شباب المخيم الأسرى عن الطعام.
أبو لبن واحد من
الأسرى الذين تحرروا في صفقة تبادل الأسرى الشهيرة في أواسط الثمانينات، وتجاربه الأولى
في الكتابة ظهرت وهو داخل السجن، وهو أيضًا ما حدث مع زميله الراحل الشاعر محمد
أبو لبن، مؤلف نشيد (عسقلان) الذي نظمه في سجن عسقلان عام 1976، ولحنه الأسير محمد
أبو الزنابيط من سكان قرية دير الغصون، وسرعان ما انتشرت القصيدة في كل السجون
والمعسكرات الاحتلالية، لتصبح أغنية المعذبين في مواجهة الجلادين، وصوت المتمردين
على العبودية وسياسة الإذلال المتعمد، وسؤال الحرية الدائم في معارك صامتة تجري
خلف قضبان السجون.
واعتمدت وزارة شؤون الأسرى
والمحررين، التي أصبحت هيئة شؤون الأسرى، النشيد، نشيدًا للحرية في كافة المناسبات
والنشاطات التضامنية مع المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي،
وأصدرت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر أبو لبن، وكذلك فعلت بإصدار أشعار المربي عيسى
العزة، وهو من مخيم العزة، درس في مدرسة الدهيشة وأصبح مدرسًا فيها، وتأثيره
الأدبي على طلبة المخيم يذكر دائمًا.
ومن كُتّاب المخيم
المعروفين صلاح عبد ربه، الناشط الاجتماعي والوطني، والذي يعد واحدًا من مؤسسي
العمل الاجتماعي-الثقافي-السياسي في المخيم، والذي ترأس الهيئة الإدارية لمركز
شباب الدهيشة أكثر من مرة، وله عدة إصدارات في شؤون اللاجئين، ودراسة مخطوطة عن
قرية زكريا المهجرة.
وبرز الدكتور خضر
سلامة، كباحث في شؤون القدس، والذي عمل مديرًا لمكتبة الأقصى وللمتحف الإسلامي في
القدس، وصدرت له عدة كتب حول مكتبات القدس، والآثار المقدسية، إضافة إلى كتاب عن
قرية زكريا.
ووضع الصحافي محمد
مناصرة عدة كتب، من بينها كتابه عن حصار كنيسة المهد، موثقا ليوميات الحصار الذي
حديث في شهر نيسان 2002م.
ونشر المربي يوسف
عدوي، عدة كتب معرفية في المعلومات العامة، وخاصة عن فلسطين وقضيتها، وانضم المربي
أحمد علي الصيفي إلى قائمة كُتّاب المخيم بإصداره كتابًا نثريًا عام 2016م، بعنوان:
"هل أصبح الوطن قصيدة؟"، ومن الأصوات الشابة في المخيم الروائي أيسر
الصيفي الذي أصدر رواية (الدرس الأخير)، وحذيفة دغش الذي أصدر باكورته الروائية (يافا
الجُلَنّارُ) هذا العام.
عظّم الدكتور
خضر سلامة، من شان وظيفة المحتسب في القدس، خلال القرن السادس عشر، وذلك في بحث له
عن (الاحتساب في القدس في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي) اطلع عليه
مراسلنا.