واخيرا تمكنت من الحصول على رواية الصديق المبدع اسامة العيسة (بنت من القدس الجديدة) فقد ارسلها لي مشكورا عبر مسافر ، ولم يتوانى عن تلبية طلبي في الحصول عليها، وقد قرأتها فور وصولها بشكل متواصل حتى انتهيت منها
هل أريد قراءتها مرة أخرى؟ اعترف اني ارغب بذلك، لكي أجيب عن الاسئلة التي أثارتها في راسي بأكثر تمعن، مع اني قد هضمتها من القراءة الأولى، لماذا اقول ذلك؟؟
صديقي المبدع اسامة رفيق المدرسة، والشباب، والحال في المخيم، امتلك منذ البدايات معرفة وثقافة واسعة ،خاض تجربته الخاصة بـ وعي واختيار في أجواء مفعمة بالفكر، وهو دودة كتب حقيقية ،وتخصص في نبش المخطوطات، والسير، وكتب الرحالة،وامهات التراث العربي، ولاحق حذافير التاريخ على الصخور والحجارة والأماكن ،وامتلك نواصي السير وأخبار الرحالة، وكان بذلك مختلفا عن جيل الثقافة الموجهة و المنتقاة (المؤطرة)بفكر محدد، وتنحى بوعي عن إيديولوجيات( النقيضين) المصاغة للابتلاع، وهذا يبدو بوضوح في أعماله الروائية ومنها هذه الرواية.
يقول اسامه أن هذه الرواية هي حكايته هو عن صالحة، بنت ابو صالح ،التي خرجت للعلن تطالب بثمن بكارتها! محدثا هذه الدهشة من الصفحات الاولى، بجراة تطالب القاضي أن يفصل في ثمن بكارتها التي أخذها محمد المسيحي! إمعانا في الادهاش والتساؤل، هل هذه حبكة روائي أم أنها حقيقة؟
ويدخل أسامة بسلاسة وخبرة الى تفاصيل وثائق تشابه هذه الحالة، ليتمكن القاضي من إصدار الحكم، وصالحة لا تتراجع، رغم العيب والعار، ومفاهيم مجتمع تفرض على مثل هذه الحالات السكوت ،واحيانا دفع ثمن قد يكون الحياة نفسها
يبدأ اسامة يقلب صفحات وثائق قديمة في محاكم القدس ويا لهول ما يصل إليه، وهنا يطرق ذهن القاريء اسئلة عميقة، ماذا يريد اسامة ان يقول؟ هل هو ساخر أم حزين مما وصل إليه؟؟ هل هو شامت بهذا الموروث، وخجل منه، ام انه محايد، ينفي علاقته به؟ هل تجرد من عبء الاصطفاف واصبح هو وقناعاته الخاصة؟ ما هو موقفه من كل ما قدمه في تلك الوثائق؟ هل أراد أن يسألنا أين نقف من كل ذلك؟؟ ماذا أراد منا؟؟
وتستمر الرواية في خطها الأعمق تشرح عن التهجير والاحلال وسطوة الغرباء وربما احيانا يحمل على أهل المكان، وقد غمز بذكاء لمواقفهم، واحيانا اخرى يظهر عجزهم ،ولم يخفي اسفه عن ضياع المكتبات والكتب، كل هذا وصالحة لم تتراجع عن طلب ثمن بكارتها.
كقاريء تريد وترغب أن يسحبك اسامة الى اعتبار بكارة صالحه معادل روائي للمدينة والبلاد، لكنه صلف وقاسي لا يقبل بذلك ،لا يريد لك كقارئ عربي أن تستعيض عن العار، بشماعة الاحتلال القذر ،يبقي هذا الحد الفاصل بين بكارة صالحة وضياع البلاد.
لا شك أن أسامة وهو المشاء الحكاء بامتياز، قد تعرف لحي الطالبية و القطمون و البقعة والأحياء المجاورة للمدينة ويعرف بناياتها بدقة، ويعرف بأسماء أصحابها وتفاصيل حجارتها واشجارها بشكل شخصي، وهو الباحث الموثق ،وهذا ليس مفاجا لي ،وقد أبقى اسامه تفاصيل حكاية صالحة للنهاية، ولم يخبرنا عن مصدرها إلا في نهاية الرواية ، وهذا من خبرة روائي متمكن من ادواته ،يصيغ أعماله بذكاء وهدوء يحسب له.
لم تكن رواية صالحة فكرة كاتب، بل هي حكاية حقيقية خرجت من مذكرات يمتلكها أسامة كما قال ،واضاف انه يرفض استغلالها،مما يدل على أنها تحمل أكثر مما قاله لنا ، وهذا ضمير كاتب فطن وصادق، لا يبحث عن ذاته، بل عن ما قد يهم ويفيد الآخرين،وافترض أن أسامة قد حفظ بامانة، اسرار صالحة التي لا داعي لأحد أن يعرفها، وكان محل ثقة الرجل الذي ائتمنه عليها قبل وفاته،وبذلك كان معه حق ان يثق بصديق المجانين كما قال عنه.
هذه الرواية من النوع الذي لا يتركك بعد ان تنتهي من قراءته، بل تبقى تتحرك داخلك وتطرح اسئلة ، وجبة للعقل دسمة ،ومثيرة ،رغم أنها تقع في ١٥٠ صفحة تقريبا ،لكنها تفيض عن دفتي الكتاب، واترك تشريح الرواية أدبيا لأي ناقد متخصص فأنا قارئ واكتب انطباعي من هذا المكان فقط،
هذه الرواية ازعجتني في البدايات ، لم أتردد في انهائها بشكل متواصل ،خطفتني لاكملها، واسعدني في النهاية أني حصلت عليها ، شكرا لك اسامة على إرسالها لي،

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق