أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 15 مارس 2026

مقلاع داود وقيثاره!


 


كان داود التوراتي قاطع طرق. سيحافظ على صورته هذه، بعد تحوِّله نبيًا في التراث الإسلاميِّ. يعاني ندمًا، لأفعاله غير الأخلاقيَّة. قبل سنوات ارتفعت أصوات في دولة الاحتلال، تطالب بعدم تعليم سيرته في المدارس. أسطورة داود، واحدة من حكايات أسلافنا الشفهية، التي توقفت عند تدوينها، وإلَّا لاستمرت حتَّى الآن بصيغة ملحمة شعبيَّة.

واحدة من منعطفات داود، رئيس عصبة أشرار، علاقته مع شاؤول. لكنَّه سيدخل قلوب الاسرائيليَّات، ويحتل مكانة، لن يتبوأها شاؤول أبدًا، ولم يكن ذلك لحسنه وفتوته وعزفه القيثار، ولكن لشقاوته.

غنت الإسرائيليَّات ممتدحات شاؤول لقتله الألوف، وداود لزهق عشرات الألوف "فَأَجَابَتِ النِّسَاءُ اللاَّعِبَاتُ وَقُلْنَ: «ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ." (1 صم 18: 7).

"فَاحْتَمَى شَاوُلُ جِدًّا وَسَاءَ هَذَا الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: «أَعْطَيْنَ دَاوُدَ رِبْوَاتٍ وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي الأُلُوفَ! وَبَعْدُ فَقَطْ تَبْقَى لَهُ الْمَمْلَكَةُ»." (1 صم 18: 8).

بدا زعل شاؤول مبررًا، ففي رقبته آلاف رقاب الموآبين والعمونيين والأدوميين والفلسطينيين والعماليق. لقد ضرب شاؤول في كل مكان، ولكن ذلك لم يكن كافيًا. ألا يستحق مكانة أفضل في عيني الربّ والإسرائيليَّات اللواتي لم يتوقفن حتَّى الآن عن الغناء لقطاع الطرق.

 

أحب الرب داود أكثر. وتخلى عن شاؤول وعاقبه بروح شريرةٍ عذبته، فانتحر بعد هزيمة من الفلسطينيين.

تأثير الحكاية على نهضوي أوروبا يتبدى بانحياز مرعب. رمبرانت رسم شاؤول مستبدًا شرقيًا. أمَّا داود، فيظهر في لوحات فناني العصور الوسطى، حاكمًا أوروبيًا معاصرًا. وعند مايكل إنجلو، الإنسان بصورته الأسمى.

من يقتل أكثر يصبح حضاريًا أكثر. احتلت بلادنا، وبلاد تشبهنا (إفريقيا، أميركا اللاتينية) بمن حملوا السيف بيد، وكتاب مقدَّس بيد، سيطور نهضويو أوروبا الأمر، إلى مقلاع داود بيد، وفي الأخرى قيثارة. يا له من إرهاب حضاري.

سينحط الغرب أكثر؛ كتاب مقدَّس، ومجنون عجوز يعتقد أنَّه نبيًا، يرفض صورة شاؤول، ينافس مجنونًا أصغر منه، تتلبسه صورة داود، يتقارضان إشعال النيران، في بلادنا، وفي العالم.

الصورة: لوحة شاؤول وداود/ رمبرانت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق