أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلال شلش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بلال شلش. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

ذاكرة الاعتقال السياسي!


 


عشت بين أُمهات أميات منكوبات، عشن في خيام المخيَّمات، بعد كان لهن أرض ومنازل وذكريات، جميعهن تزوجن في قريتهن قبل النكبة، وعشن النكسة، وبعض الانتفاضات، واعتقال أولاد وأحفاد، أكثر بكثير مما شهدن في الحقبة الأردنية.

أتذكر رواياتهن الشفوية حول اعتقال الأبناء السياسي، في زمن الحكم الأردني للضفة الغربية، وهي فترة فوَّارة ليس فقط في التاريخين الفلسطيني والأردني، ولكن أيضا العربي. كان للأبناء ربيعهم، فلكلّ جيل ربيعه، ربيع الأيديولوجيات والأفكار والأحلام التي من الصعب تحقيقها، أو التي لم يستطع تحقيقها الشعراء والأنبياء والأديان، فقط تحقق في الحكايات والأساطير، ومنها ما كنَّا نسمعها في أيَّام الشتاء حول كوانين النَّار.

عندما زوَّدني العزيز بلال شلش، بعشرات الصفحات من أرشيف دولة الاحتلال، من ملفات الحكومة الأردنية، التي عثر عليها المحتلون بعد النكسة، فوجئت، بتطابق روايات الأمهات الشفوية، بما جاء بالوثائق. كيف حدث ذلك؟ اعتقدت أنَّ الأمهات يبالغن، أو يضفن، وربَّما يؤلفن، وهذا كله أعتقده مشروعًا، ويفيدني ككاتب، لكن الوثائق تصدِّق أقوالهن.

للاعتقال السياسي ذاكرة طويلة تحفر وتؤلم وتعلِّم. رافقتني متلازمته، يمكن لي تحديد موقف، إذا لزم الأمر، من الموقف من الاعتقال السياسي. أشعر بفرح لاطلاق سراح نظام كامب دايفد للمعتقل السياسي علاء عبد الفتاح، الذي نقلت والدته، بإضرابها عن الطعام قضيته إلى خارج البلاد. لماذا تمارس الأنظمة العربية كلّها الاعتقال السياسي؟ وهو منذر بخراب عام وطام. فقط نظرة للوراء، ماذا حدث مثلًا لنظام عبد الناصر والأسد وصدَّام والنظامين الإسلامي في السودان، وقبله الشيوعي في عدن؟

ما الخطر الذي يشكله الشبان، ومعظمهم يناصرون قضيتهم_قضيتنا الفلسطينية، على أنظمة الحكم؟

قبل هوجة احتفالات، غير مفهومة بالنسبة لي بالدولة، التي شهدتُ منذ عام 1988، احتفالات صاخبة بها، دون أفهم سببها، أسمع للناشط عمر عسَّاف حديثًا، في راديو أجيال، عن أرقام لعددٍ من الشبان الفلسطينيين، الذين صدرت أحكاما بإطلاق سراحهم، وما زالوا في سجون شبه الدولة. ماذا سيحدث إذا تحقق حلم الدولة؟ كم عدد المعتقلين السياسيين سيصبح؟ هذا كلّه في ظل مأبدة.

كم عدد الأمهات اللواتي سينقلن للأبناء والأحفاد من ذاكرات الاعتقال السياسي الوطني؟

الصورة: من تهاني بذكرى الاستقلال للرئيس الراحل ياسر عرفات، من شخصيات وسلطات محلية (أرشيفي).

#بلال_شلش

#عمر_عساف

#علاء_عبد_الفتاح

#أسامة_العيسة

الأربعاء، 24 أغسطس 2022

خليَّة الدهيشة 1959م

بفضل العين الساهرة الحارسة لوثائقنا؛ العزيز بلال شلش، وصلتني ملفات أفرجت عنها سلطات الاحتلال مؤخرًا، وهي جزء من غنائم هزيمة حزيران المستمرة.

منها ملف قضية لسبعة شبان وطلبة آنذاك من مخيم الدهيشة، اعتقلوا بتهمة الشيوعية، قرَّر محافظ القدس حسن الكاتب توقيفهم، كما يظهر في الصورة المرفقة.

حسن الكاتب، كما سمعت عنه من معتقلين سياسيين، معظمهم أصبح في دار البقاء، هو بطَّاش.

سمعت نتفًا عن هذه الخليَّة، من أمهاتنا الأميات، المنكوبات، ولا يبتعد ما جاء في محاضر التحقيق، عن ما كَّن يذكرنه، تندرًا، وحزنًا، وأسفًا، ناصحات لنا، نحن الذين أضحينا فتيانًا وشبانًا، نكرَّر، بنزق غبيِّ (كما يفعل أبناؤنا الآن)، سيرة السابقين، بأن لا نسير في طريقٍ غير موصلة.

من يتمعَّن في ملف هذه الخليَّة، وهي واحدة من خلايا صعب حصرها انتشرت آنذاك، سيدرك أنَّه لا يوجد قضية أصلًا، وأنَّ الأمر يتعلق بنشرة شيوعيَّة، تتنقل بين الأيدي بطريقة ترشحها كقصة كافكاوية.

كل ما حدث في السنوات العشرين التي أعقبت النكبة، كان يشي بالهزيمة المقبلة.

أتصفَّح الملفات، بأفضال بلال شلش الكثيرة، وأنا أتابع على الفيس بوك نقاش متجدِّد عن الاعتقال السياسيِّ.

قبل سنوات، عقد ممثلا الثنائية الفلسطينيَّة، بعد جولة مفاوضات، مؤتمرًا صحافيًا بشَّرا فيه جموع المواطنين البائسين أمثالنا، أنهما أحرزا تقدمًا، وتبادلا أسماء المعتقلين السياسيين لدى سلطتيهما.

أحدهما ما زال موجودًا وقياديًا، يتفكه عليه بعضهم بوصفه "..."، من سوء حظَّ ابن الجوزي، أنَّه لم يعش في عصره، وإلَّا لكان أضاف سيرته لكتابه المشهور، والآخر قتل في غارة إسرائيليَّة، خلال إحدى الحروب على غزة وهو معتقل للتحقيق معه حول "سلوكه واستغلال النفوذ وتربح بدون وجه حق"، كما قيل رسميًا، حسب قول غير رسميِّ، أنَّ فصيله صفَّاه.

كتاب حسن الكاشف روِّس بمكتوم، ولكن الاحتلال، جاء ولو بعد حين ليفضح المكتوم.

على غيرنا أن ينتظر خمسين سنة أخرى، ليفضح الاحتلال المستمر، المكتوم، ويدركون ما كنَّا نحذرهم منه.

#بلال_شلش

#مخيم_الدهيشة

 

الخميس، 22 أبريل 2021

شهيد في بركة الصقيع..!


أمّا الثاني، فكان يذكره كثيرًا صالح أبو لبن، أحد المعتقلين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون، قبل أن يفرج عنه.

كان يذكر بكثير من الأسى زميله العجوز محيي الدين علان العوري، الذي التقاه في زنازين التحقيق في سجن رام الله، وكان شاهدًا على تعذيبه بوضعه في بركة ماء أيام الصقيع، فترات متقطعة، وفي إحدى المرات لم يحتمل الجسد المنهك الماء المثلج فتوقف القلب عن الخفقان، وبرّر المحققون وفاته، بأن الشرطي المناوب نسيه أكثر من اللازم في بركة الصقيع.

كثيرًا ما وضعت تصورات حول لحظات العوري الأخيرة، الرجل الذي تجاوز السبعين، وشارك في ثورة 1936م، واعتقل لأوَّل مرة عام 1968م، وأمضى في زنازين التحقيق فترة طويلة، دون أن يتمكنوا من أخذ كلمة واحدة منه، ودون أن يعرف أهله في بيت عور شيئًا عنه، ثمّ اعتقل مرة ثانية، واعترف عليه، هذه المرة، اثنان من زملائه، وبقي متماسكًا، حتّى أسلم الروح في بركة الصقيع، وكان ذلك في آذار أيضا، يوم 2-3-1971م: ما هي المشاهد الأخيرة التي مرّت في ذهن ثوريّ عجوز، وهو ينسلّ من الدنيا، وينخر البرد جسده؟ هل تمكّن من الإمساك بلحظات سلام أخيرة، وشريط حياته يمرّ سريعًا؟ هل توقّف عند مشاركته في مقاومة البريطانيين، الذين طاردوه ولم يتمكنوا منه، وعاش حتى يشهد على احتلال جديد، يقرّر محققوه قتله بطريقة غير مسبوقة.

#رواية_المسكوبية

**

صورة الشهيد العوري، بلطف عن صفحة صديقنا المنقب بلال شلش.