أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

زويا وكلثوم وآخرون وأُخْرَيات!


 

زويا وكلثوم وآخرون وأُخْرَيات!
أنا من جيل النكسة، الذي وجد نفسه منسيًا على شارع القدس-الخليل، الَّذي نزل ناسه ليستقبلوا الجيش العراقيّ، ففوجئوا بجيش احتلال جديد. مشهد غير نادر في فلسطين، كثيرة الاحتلالات والفتوحات والغزوات. لم يتعجَّب باحث متطفل، حتَّى الآن، على قدرة ناسها، على النهوض.
أنا جزء من هذا الجيل، الذي كان له توفيق زيَّاد، دليلًا، الَّذي أدرك ذاته الشعرية، في فضاءٍ أوسع. على الأرجح هو الصوت الأبرز فيما عرف بشعراء المقاومة، سنرى أنَّ بعض أبرز رموزه سيتنكرون للتسمية.
أطلق زيَّاد، المقيَّد الحركة في النَّاصرة، المتردد، غصبًا، على السجون، صرخاته المتعددة ليسمعها مثلي: ادفنوا موتاكم وانهضوا، أنشد لسجناء الحريَّة. أطلق قصيدته المواكبة لأيلول الأسود: عمَّان في أيلول/ قصيدة مقطوعة الرأس عن شعب بسبعة أرواح. من الواضح أنَّه تفاءل في حرب السادات التحريكية، فكتب قصيدة: عبور، وسمى ابنته عبور.
إحساسه برسالته الرسولية في واحدة من منعطفات بلادنا، جمعه للأدب الشعبيّ، وتخصيص مقالات عنه في مجلة الجديد الحيفاوية. ومن أفضل الانتاجات الفلسطينية في هذا المجال كتابه: حال الدنيا. مسرح صلاح عبد ربه، رائد المبادرات المجتمعيَّة-السياسيَّة، واحدة من حكايات الكتاب، وقدَّمها أولاد شارع القدس-الخليل، على مسرح خشَّبه الطوبرجي خضر الجراشي، الَّذي ما زال يذكر واقعة القتلة. دخل جنود الاحتلال المنتصرين لحارته فقط ليضربوا ناسها ويحطموا أثاث المنازل البسيطة.
أعاد زيَّاد للحياة، مناضلًا ضد الاحتلال البريطانيِّ، خط على جدار سجنه، قصيدة قبل إعدامه اسمه عوض. لم يحاول أحد، اقتفاء أثره، وإكمال ما بدأه الرائد.
أذكر الطالب الجامعي عادل الشريف، في مكتب نقابة العمَّال في المَدْبَسة، يحفظ أشعار زيَّاد. بعد فترة، ذهب شهيدًا. بينما نجت إيمان. صدى حكايتهما في روايتي: قبلة بيت لحم الأخيرة. أجيال قالت لا مدوية، للزعامة التقليدية، والأنظمة الخائنة، والعالم المتوحش. أتذكر إحباطنا، عندما وصلنا جامعة بير زيت، للاستماع لزيَّاد، ولكن، لسبب لا أذكره ألغيت الفعالية.
من أوائل الكتب التي قرأتها لزيَّاد، كتابه: نصراوي في السَّاحة الحمراء. كتاب في أدب الرحلات، ولكن أيَّة رحلات؟ على الأغلب أن ما ترك أثرًا لدي، ليس الحماس للشيوعيَّة التي تبنى في الاتحاد السوفيتي، وشيوعيَّة زيَّاد وطنيَّة-قوميَّة. وإنما بطولات النَّاس في الحرب الوطنيَّة العظمى، وبعدها، حيث دمرت بعض المدن، وأزيلت عن وجه الارض، كما يخبرنا زيَّاد.
من الأسماء في الكتاب التي حفرت في الذاكرة، حكاية النصراوية كلثوم عودة، الأكاديمية والمواطنة التي وجدت نفسها تحرث أرضها بربط نفسها بسكة الحرث. يا لها من حكاية ملهمة، تحمس طفلا مثلي، ينام يحلم بالبطولة. أبتسم عندما تتذكَّر بعض الصفحات المتخصصة بالرموز الفلسطينيَّة، كلثومًا. قص ولصق، بدون روح ولا إضافة. لا جديد. حتى جهد زيَّاد البحثي غائب.
أيضًا؛ لا يمكن نسيان البطلة زويا، بقلم زيَّاد، تضمن الكتاب صورة أو رسما لشنقها. أسرت لوهيبة ابنة شاعرنا، أنَّ ثمت أجيال جديدة على شارع القدس-الخليل، من تأثروا بزويا، ولا أعرف كيف سمعوا بها، في مخيم الدهيشة تدب الآن أكثر من زويا. بنات لآباء من اليسار الراديكالي، الذي لم يكن معجبًا، في زمن ما، بزيَّاد. الزمن يزمن. تتغيَّر زوايا النظر.
في روايتي المسكوبية (أوغاريت. رام الله 2010) يلتقي الراوي، زيَّاد في المسجد الأقصى، بعد واحدة من المذابح. كان الشاعر، للأسف، قد توقف عن الشعر والبحث، وتفرَّغ للنضال الجماهيريِّ.
قبل سنوات، عرضت مسرحية عن حياة توفيق زيَّاد في قصر المؤتمر، بمبادرة من ريتا عكَّاوي. سعدنا باللقاء في مؤسسة إبداع، باهتمام الشهيد خالد الصيفي، على عشاء مع فريق المسرحية وزوجة الشاعر، السيِّدة نائلة. جيل جديد من أولاد شارع القدس-الخليل كان يكتشف الشاعر بعد رحيله.
كتاب: نصراوي في السَّاحة الحمراء، نفذ منذ سنوات. من الجيد، إصدار عائلته طبعة جديدة منه، بنفس الغلاف القديم، الَّذي طبع في الذاكرة، وبنفس طريقة الصف والمونتاج. إنَّه وثيقة على أيَّامنا ومنها. لم نصغِّر أكتافنا.
ستكون عودة أخرى لزيَّاد!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق