رحيل
أبو نزار، يعني، أيضًا، رحيل آخر ظرفاء المخيَّم، كما خبرتهم. لم يرتبط الراحل، ظَرفا
وظُرفا، برصفائه فقط، وإنما بجيل النكبة الأوَّل وتاليه.
تمكَّنت
النكبة، والنكسة، من سحق عوالم المنكوبين والمنكوسين، ولكنَّها فشلت في النيل من
نسغ الروح والهُويَّة، الَّتي صمدت، لأسبابٍ كثيرة، ليس أقلها ظرافة النِد. عاشوا أيَّام
الجوع والقمع والقتل والتشريد والموت اليوميّ والأمراض والأوبئة وحظر التجوال، لكنَّهم،
مستندين على شرفات الروح، هزؤوا منها، وانتصروا عليها.
قد
لا يكون هو الضحك من قحف المأساة، حسب تعبير إميل حبيبي، الَّذي يبدو انَّه وجد
نفسه مضطرًا لتبرير السخرية في أدبه، وإنما أسلوب مقاوم ضارب في التربة وفوقها،
منذ أوَّل عقد بين ساكني الأرض والآلهة التي سكنت السموات، ورأت من موقعها، تعاليًا
على الأدنى، فسخرت وتظارفت، وبودلت بهما. ساكنو السموات لا يحبون فقط روائح
القرابين المشحمة، وإن بدو لكثيرين من ساكني حبة الكمثرى الخمجة ذلك.
رافق
أبو أنور وأبو صبحي وأبو هشام والسلطان حسن وغيرهم من أمراء وسلاطين وشماريخ الظرف
والظروف، وسمع منهم وأسمعهم. رُوي عن سليمان النجَّاب، القطب اليمينيّ في الحركة
الشيوعيَّة الفلسطينيَّة الأرثوذكسيَّة، نوادر عن ظرفاء المخيَّم، صادفها خلال
تخفيه في بداية الاحتلال الحزيراني.
أذكر
عملي مع أبي نزار وأبي هشام، عمَّالا فَعلة، في حفرية أثرية في باب الخليل، كان
صوت أبو هشام الخفيض المحايد بذكاء، يتدفَّق في حكايات السيرة الهلالية التي لا
تنتهي بين ضربات المعاول. أي فن تناثر في هواء القدس!
جمع
أبو نزار، مشغوفًا، بعض أُخوانيات شعراء قريتنا، ومنها قصيدة للشاعر خليل زقطان،
عن رجل من زكريا طلب من الله، تأجيل رمضان خمسين يومًا، نقلها عن الأستاذ محمود
الخطيب (أبو نبيل)، الذي كان على الأرجح مستشارًا لُغويًا لزقطان، الَّذي لم يقل
ظرفًا عن ما شَعر عنهم ولهم. يذكر الشاعر علي البتيري، أنَّ زقطان وصف مسكنه في
مخيَّم العروب: ناطحة تراب!
حفظ
نزار، تراث والده، وقدَّم، مرئية، صرخة فلَّاح من هضاب القدس والخليل المنخفضة،
للسماء التي تفرض الفرائض، تأجيلها، وهو القادر والمانح والمانع والعارف بظرف خلقه،
ولو لخمسين يومًا، يمكن للفلَّاح فيها تدبر أمره، الذي لم تترك له الحكومات
والمرابين والأغاوات ورجال الدين وباشا الدورة، من أمره ما يُتدبر!
حوار
لم ينقطع، منذ وجود الآلهة في شرقنا، حتَّى يوم نزار ووالده هذا!
#نزار_العيسة
#مخيَّم_الدهيشة
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق