أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد حسنين هيكل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد حسنين هيكل. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

ثلاث بيضات!


 


في مرئية قصيرة (ريلز) منتشرة على الفيس بوك، يتحدَّث الأستاذ هيكل، ممرورًا تكاد الدمعة تفر من مآقيها (ليس مجازًا)، عن تسليم مدينة القدس للبريطانيِّين، مقابل ثلاث بيضات فقط!

الأستاذ هيكل، أستاذي، رغم أنَّني لم ألتقه، وسرت، بعد أكثر من عقدين في شوارع مشاها، كشارع القدس-الخليل، الذي أبصرت عليه، حياةً، تشبه حيوات ملايين، وتناقض حيوات ملايين، وأماكن أبرق منها لصحفه، وحضر وجوده الفلسطينيّ
 في روايتي: قُبلة بيت لحم الأخيرة.

الأستاذ؛ ليس فقط أُسطى مهنتنا، ولكنَّه أيضًا أُسطى كبير في فن المسافات بين البشر، ومعرفة الذات والمساحات المحفوظة، حفاظًا على ألق الصنعة وأينعهتا، وكرامة النفس وسموها من النرجسية. ليس أكثر بغضًا من الاضطرار لاحتمال نرجسيّ متعالم.

يذكر هيكل، متأثرًا، أنَّه لم يكتب حكاية البيضات، رغم الجزاء الماليّ، مشيرًا إلى أنَّه زار موقع تسليم القدس في باب العمود، خلال الحقبة الأردنيَّة.

لا شك أنَّ التأثر خلط الأمور على الأستاذ، فمكان تسليم القدس محلة الشَّيخ بدر من أراضي بلدة لِفتا الفوقا، ولم يكن بإمكانه زيارته، لأنَّها مم احتل بعد 1948م. والآن تعرف باسم روميما، تفخر بالحادثة، بنصب تركه البريطانيُّون في المكان.

حسب ما يمكن توثيقه من مسألة تسليم القدس، مع التقهقر العثمانيِّ، أنَّ وثيقتي تسليم حُررتا بالتركية، ترجمهما الفهَّامة الدكتور توفيق كنعان، ونشرهما الدكتور عبد اللطيف البرغوثي في مجلة التراث والمجتمع (العددد 25/ 1995). إضافة لرسالة بالعربيَّة، من إسماعيل الحسيني، إلى المفتي كامل الحسيني، حول تسليم المدينة.

المؤكَّد في حكاية التسليم أنَّ حسين الحسيني رئيس البلدية، ومرافقوه استلوا شرشفًا أبيض، من المستشفى الإيطاليِّ، في طريقهما للبحث عن ما يمكن تسليمه المدينة، وفي الشَّيخ بدر التقيا جنودًا، فالتقط مصورو الكولونيوليَّة الأميركيَّة، صورة التسليم. وفيها يظهر آخرون مثل لورنس، إضافة لجنديين. أمَّا شرف حمل الراية البيضاء، فكان من نصيب اللبناني سليم، سائق سيَّارة جمال باشا المتقهقر. هل كانت المسألة عفوية وعرضية فعلًا؟

ستتطوَّر رواية استشراقيَّة، فيها الكثير مما سيخدم الدعاية البريطانيَّة لاحقًا، أنًّ جنودا من الإمبراطوريَّة التي هزمت إمبراطوية فسدت بيضاتها، كانوا يبحثون عن البيض في ريف القدس، عنما اصطدموا بالمطربش رئيس البلدية اللاهث ومرافقوه.

يمكن أن لا تصمد حكاية بيض الإمبراطوريَّة التي لا تغب عنها الشمس، كثيرًا للنقد، فالحديث عن شهر كانون الأوَّل، البارد في جبل القدس، وفيه تستعصي الدجاجات عن البيض وتحرن، تحتاج على الأقل لشهر أو لشهرين، لكي تظهر الدجاجة بيضتها الأولى، إلَّا إذا كانت دجاجات لِفتا ودير ياسين، استخف بها الفرح بقدوم بني التايمز، فباضت على أمل، تغيُّر أحوال أربعة قرون بأفضل منها، كما فرح الكثير من النخبة المثقفة، فباضت احتفالًا، شعرًا ونثرًا ونقاشًا مثل اسكندر الخوري البتيجاليِّ، والشيخ عبد الله الريماوي، وخليل السكاكيني، وعادل جبر، وغيرهم.

كان الجنرال اللنبي، قائد الحملة المصريَّة، كما عُرفت، متشوقًا لفتح القدس، مفعمًا بالاستعمارية الدينيَّة، ليقدِّم الخبر، هدية الكريسماس لقومه، وعندما وصل باب الخليل، سار مشيًا، احترامًا لقدسية المدينة، وعندما وقف أمام القلعة في السَّاحة التي تحمل اسم فاتح آخر قديم لها، هو عمر بن الخطَّاب، أعلن انتهاء الحروب الصليبيَّة، فغضب مقدسيون، ورد على "فاتح القدس" الشَّاعر أحمد شوقي، المعجب الأستاذ هيكل به.

يقدِّم واصف جوهرية، في مذكراته رواية قد تكون الأفضل، كشاهد عيان، لتسليم القدس، ويحدِّد أسماء من "تشرَّفوا" بتسليم المدينة، ونبذات عنهم، لأنّه عرفهم جيدًا. وفخر أنَّه سلَّم بنفسه "علم التسليم الأبيض إلى من يحمله". كتب في مفصلٍ تاريخيِّ، ناعيًا امبراطويَّة بني عثمان: "شاء القدر أن تتخلَّص القدس وأهلها من نير الأتراك الظالمين وانطبق القول: دار الظالمين خراب ولو بعد حين". فكَّك جوهرية حكاية البيضات ببراعة.

أعتقد أنَّ الأمر لم يكن بحاجة لتأثر الأستاذ هيكل، وخسارته المالية، وهو يتبنى رواية منسوبة لتشرشل الاستعماريِّ الساخر، الذي جلس على قمة جبل في القدس عام 1919، مؤسسًا دولًا في شرقنا.

بيضات تشرشيل الثقيلة، غطَّت على دماء أعداد كبيرة من الجنود العثمانيِّين، تظهر الصور مشاهد مؤثرة لجثث ملقاة حول القدس في شعفاط وغيرها.

ربَّما كان على هيكل الاهتمام أكثر "بالمتطوعين" الفلَّاحين المصريِّين، الذين جُروا للخدمة في جيش الاستعمار، وقضوا، آلافًا، في محاور الحرب، ومنها في سيناء وفلسطين.

#محمد_حسنين_هيكل

#أسامة_العيسة

الجمعة، 10 فبراير 2017

ديّان وأبو منجل..!!‏




تتضمن القائمة التي نشرها الأستاذ هيكل في كتابه (خريف الغضب) عن القطع الأثرية المصرية التي قدمها الرئيس السادات، كهدايا، أكثر من سبعة تماثيل لطائر أبو منجل، من بينها ما أُهدي لشاه إيران، ولكيسنجر، ولجيسكار ديستان، ولزوجات رؤساء، وأخرى غير معروفة الجهة التي تسلمتها، فرحة بتاريخنا يُعطى لها، "هدية ما وراها جزية"-حسب المقولة البدوية.
في متحف إسرائيل في القدس الغربية، مفخرة دولة الاحتلال الثقافية، تنتصب مومياء لطير أبو منجل، في معرض عن تقاليد الموت في مصر القديمة، افتتح قبل أشهر وسيستمر حتى شهر ابريل المقبل، وحسب إدارة المتحف، فان هذه المومياء، أُهديت من الرئيس السادات للجنرال ديّان، مجرم الحرب المعروف بحبه ونهبه للآثار الفلسطينية والمصرية، وذلك في عام 1979م، بعد اتفاقية السلام.
يعود الطائر المحنط للعصر البطلمي، للقرن الثالث قبل الميلاد. تمثل تماثيل ومومياء أبو منجل، الإله جحوتي (تحوت) إله الحكمة والكتابة المصرية. يُعرف طائر أبو منجل  أيضًا باسم (أيبس)، وبهذا الاسم يظهر في قائمة هيكل المستقاة من سجل لهيئة الآثار المصرية.
في الخراريف الفلسطينية الشعبية، خرافية عن الواوي الجائع الذي بلع منجلاً، كنت أتمنى أن تنطبق على ديّان، ولكنها قد تكون مناسبة لنا أكثر. ديّان ابتلع مومياء أبو منجل، ولم تتمزق أمعائه، وأصبحت ملكا لدولة الاحتلال، ونحن الذي يتوجب علينا في كل مرة العواء..!

الاثنين، 22 فبراير 2016

بين محمدين..!


كره أستاذي محمد أبو شلباية، محمد حسنين هيكل، ووصفه مستنكرا بالصحافيّ الأوحد بقرار من عبد الناصر، وأنا أحببت الأستاذ، واعتبرته فعلا الصحافيّ العربيّ الأوحد..!
عَلَمَ أبو شلباية، عن طريق شخصية مهمة، قبل أشهر، من احتلال الضفة الغربية، بان إسرائيل ستستلمها، على طبقٍ من ذهب، أو حديد، أو حتّى بدون طَبق..!
هيكل، شكل المدفعية الإعلامية، والتعبوية، للهزيمة غير المتوقعة..! (سيقدم لاحقا في ثلاثياته عن حرب الثلاثين عاما، مراجعة نقدية ومعلوماتية مهمة).
لم يغادر أبو شلباية منزله في حي وادي الجوز بالقدس، الذي لجأ إليها عقب النكبة..! وأراد أن ينتقم بالكتابة، من محظورات الرقابة التي عاني منها طويلا في ظل الحكم السابق.
الأستاذ هيكل، رأى فيما حدث نكسة. أبو شلباية وجد في الواقع الجديد، فرصة لإعلان دولة فلسطينية حُرة في الأراضي التي احتلت في حزيران 1967، وصاغ اقتراحه في كتاب لاقى رواجا، والتخلص من عبء الأنظمة العربية على القضية الفلسطينية، خصوصا وان تجربة اعتقاله في معتقل الجفر الأردني في الستينات، تركت لديه غصة لم تزول، وكذلك ما آل إليه حزب البعث الذي سُجن بسبب عضويته به، وكرهه حتى العمى، كما يقولون.
أيد أبو شلباية كامب ديفيد، واستقبل صحافيين مصريين وصلوا القدس، وأنا شاركت في انتفاضة شعبنا ضد كامب ديفيد، وكنت عضوا في مجموعة، أحرقت الصحف المصرية التي وصلت فلسطين، ضمن مناخ السلام الجديد، وسأشكر الظروف كثيرًا، بأنني لم أُكلف بحرق الصحف، وإلا لكنت ندمت طوال عمري..!
أحبَ أبو شلباية، السادات، وحزن عندما اغتيل، ونظر بإكبار لمصوري أخبار اليوم الذين وثقوا حادث المنصة ولم يرتبكوا او يهربوا كغيرهم، وتعالى بمدرسة علي ومصطفى أمين التي يعتبر نفسه ينتمي إليها، وبكى هيكل في معتقله، صديقه السادات الذي اعتقله، وأنا فرحت عندما سمعت أمام قهوة المسمس خبر اغتيال الخائن، الذي كان يتلفظ "عزيزي بيغن" مُنغمة، وأصبحت الضفة الغربية بالنسبة له يهودا والسامرة..!
وقرأت بشغف مُقدمة كتاب هيكل (خريف الغضب) عندما نشرتها صحيفة الأهالي المعارضة، التي مُنعت من نشر بقية الفصول، ولاحقا قرأت الكتاب، وبشكل لم يحدث لي، إلا مع ألف ليلة وليلة، مرتين، واعتبرته فتحا في الصحافة العربيّة.
أبو شلباية، كتب مُجلدا (أكثر من 700 صفحة) في الرد على هيكل: "فلسطيني يرد على خريف هيكل-قصة الكذب والتآمر على الفلسطينيين والشعوب العربية أربعين عاما"، وكتب إهداء لطيفا: "إلى أخي أسامة العيسة مع الاحترام-أخوك 26-11-1984م".
قرأت معظم كُتب أبو شلباية المعادية للأنظمة العربية، وللتيارات الراديكالية في منظمة التحرير، واختلفت معه كثيرا، وكان يبتسم. قرأت معظم ما خطه هيكل، وتعلمت أسرار الحرفة.
وحدث، أن غاب أبو شلباية في النصف الأوّل من عقد التسعينات، وأبنته في تقرير، ولم يسر في جنازته كثيرون، وبعض الكتب التي كتبها، ربما لا تتسع الحرية المتوفرة في فلسطين الان لإعادة طباعتها.
وجرت مياه كثيرة في جداول فلسطين، والعالم العربي، وكثر الأعزاء، من رابين، إلى بيرس (الذي تجند في حملته الانتخابية بعد مجزرة قانا الأولى راديكاليون سابقون مِن الذين ندد بهم أبو شلباية، وشاعر مقاومة كبير)، وحتى شارون، الذي لم أتخيل انه يمكن أن يصافحه فلسطيني.
ولدت في شارع القدس-الخليل، الذي سار عليه هيكل، خلف ومع المتطوعين المصريين والعرب، الذين جاؤوا لإنقاذ فلسطين، ومارسوا القمع ضد ناسها في المناطق التي بسطوا نفوذهم فيها، وأجبروا الشباب على العمل سخرة في حفر الخنادق، وعلى هذه الشارع، تقهقرت القوات العربية عام 1967، ودخلت القوات الإسرائيلية، ورغم تغير الكثير، إلا ان العنوان الذي اختاره هيكل لسلسة مقالاته عن حرب 1948، ما زال يصلح حتى الان: "النار فوق الأرض المقدسة".

عندما يغيب مُعلم، ومَعلم في حرفتنا، علينا ان نحزن، وسنكتشف لاحقا، بأنه كان علينا أن نحزن كثيرا..!

السبت، 20 فبراير 2016

هيكل في مقهى مستر ويلسون..!


تمكن محمد حسنين هيكل ومصور صحيفة أخبار اليوم، مِن الوصول إلى قوات أحمد عبد العزيز في بيت لحم والخليل مشياً على الأقدام عن طريق القدس، تسلل مع دليل فلسطيني، عبر مستوطنة تل بيوت، حذفت الرقابة العسكرية كلّ كلمة وكل صورة، وتم رفع الموضوع إلى وزير الحربية محمد حيدر باشا، الذي وافق في النهاية على نشر خمس صور تفاخر هيكل لاحقاً بأنه كان من بينها الصورة الشهيرة لأحمّد عبد العزيز، وكانت تلك الصورة هي المرة الأولى التي رأى فيها الناس وعرفوا شيئاً عن الرجل الذي أطلقوا عليه وصف البطل.
كان أحمد عبد العزيز يجلس في مقهى مستر ويلسون الانجليزي، الذي ارتاده أيضاً هيكل. في ساعات الهدوء، يلتقي الجميع في مقهى الانجليزي الطيب، يتحدثون عن معاركهم وأحلامهم، وأيام الأراضي المقدّسة المقبلة.

ردد هيكل فيما بعد أنه لولا اذن الفريق حيدر باشا لما عرف الناس شيئاً على الإطلاق عن أحمد عبد العزيز، الذي ما لبث ان قُتل برصاصة مصرية طائشة.