ترانزيت
القاهرة، أيَّار 2026
رغم النُعاس،
بعد ساعات طويلة من عدم النوم، وانتهاء حديث طويل نسبيًا، جاد وممتع فجرًا في مطار
القاهرة، مع طبيب أردنيّ شاب متخصِّص، أراد أن يسمع مني سياسةً وفرحت لأنَّني سمعت
منه طبًا وطيبةً وأنسنةً، ودَّعني ليلحق بطائرته إلى لندن، بدأت أنتبه للواقف قريبًا
مني قرب ماكينة بيع المشروبات.
قال إنَّ
الماكينة، لخلل فيها، لا تعيد بواقي المال المدخل إليها، لذا فهو يفتح بابها، لإرجاع
حقوق الدافعين. وهذا عمله.
تمرَّ عاملة
النظافة المرهقة السمينة، مرجرجة، وتهتف بمناسبة أو بدونها: يا كابتن. بتعمل إيه
يا كابتن؟ إزيك با كابتن، وعندما يرد الكابتن يكون لديها سؤال أو طلب، أو تقديم
نصيحة، وذلك كله مرفق بابتسامات منهكة.
سألني
الكابتن، شبيه حسين فهمي في شبابه، كما تراه المرجرجة، إن كنت أهلاويًا أو زملكاويًا؟
أجبته بحماسة بددت النَّعاس: طبعًا أهلاوي.
ابتسم
الكابتن، مستغربًا، راثيًا لحالي، قائلًا إنَّه لا يليق بي، أن أكون أهلاويًا. يقرِّر
ذلك، ومعرفته بي لا تتجاوز دقائق. برَّرت انتمائي الَّذي لم أفكِّر به مسبقُا،
لأنَّ الأهلي هو فريق الشعب وناديه، بعكس الزمالك.
لكن الكابتن
الذي علمت بتعصبه للزمالك، رأيه مغاير، يعتقد أنَّ 80% من الشعب المصريِّ يؤازرون الزمالك،
فباسم أي شعب أتحدَّث؟ سألني عن الفلسطينيِّين
قلت إنَّهم مع الأهلي لأنَّهم مثلي يعتقدون أنَّه نادي الشعب، بيَّن لي خطأ
الفلسطينيِّين. وقال في الأهلي ما لم يقله امرؤ القيس في والده وعنه، الذي ضيَّعه
صغيرًا، وحمَّله ثأره كبيرًا. تمرّ المرجرجة: انت رحت فين يا كابتن؟ ايه يا كابتن؟
لن أعيد الأوصاف التي ألصقها بالأهلي، لأنَّ الهدف عدم إثارة النفوس المثارة دائمًا.
وجب عليّ
الدفاع عن اختيارات الشعب الفلسطينيِّ الرياضيَّة، بحمية مضرية، فذكَّرت الكابتن،
بمحمود الخطيب والكابتن الجوهري والأخوين حسن، وقائمة طويلة من الأهلويين. لم يؤد
ذلك إلَّا اقتناعه أكثر بحججي التافهة.
قلت له: طيب
ماذا عن أبو تريكة؟ وافقني. قال: هذا أسطورة. قلت: نحن مع أبو تركية، أين يدب،
ندب!
عرَّفني أكثر
عن نفسه، فهو يدرس نظم المعلومات، وأيضًا لاعب محترف، يُعرف باسم الكابتن ميدو،
قلت له: لا أعرف لماذا نصف ما أعرفهم أو أسمع بهم من رياضيِّين، الواحد منهم اسمه
ميدو.
أراني صورًا
وفيديوهات له منها ما يظهره إحرازه لهدف، ولكنَّني لاحظت أنَّه عرقل خصمه اللاعب،
فشرح لي بصبر أنَّ هذا النوع من العرقلات مسموح به.
عبَّرت عن
سعادتي بلقاء شاب طموح مثله، أخبرني أنَّه يلعب أيضًا مع نادي إماراتي. اذا سُمح وعادت
التأشيرات فسيلعب موسمًا في الشارقة.
سألني إذا
يمكن للفلسطينيِّين تغيير رأيهم. قلت له:
*الفلسطينيُّون
شعب عنيد، لن يقبلوا تدخلي!
سألني:
-ماذا عنك
أنت؟
*أنتمي لقبيلة
المثقفين، الَّذين يمكنهم تغيير الولاءات.
-يعني ستصبح
زملكاويًا؟
*يمكنني من
ناحية مبدئيَّة، تغيير مبادئي، وأصبح زملكاويًا، ولكن من الصعب تحمل أن أكون زميلًا
لمرتضى منصور في تأييد الزمالك!
ضحكنا. انتبهت
للعاملة تراقبنا منهكةً، ترتسم على شفتيها ابتسامة شاحبة، وهي ترى ميدو يودعني،
قبل استعدادي لإجراءات ما قبل الصعود للطائرة.
#محمد_أبو_تريكة
#زنقات_الرباط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق